ابن قيم الجوزية

191

البدائع في علوم القرآن

الحق في نفسه ، بل أحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولهم وأفكارهم ومقايسهم . فنسأل اللّه مثبت القلوب - تبارك وتعالى - أن يثبت قلوبنا على دينه ، وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق ، ألّا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، إنه قريب مجيب . المثال الثالث عشر : رد الرافضة النصوص الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ، ورضاء اللّه عنهم ، ومغفرته ، وتجاوزه عن سيئاتهم ، ووجوب محبة الأمة ، واتباعهم لهم واستغفارهم لهم ، واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله : « لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض » « 1 » ، ونحوه . كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم ، كفعل إخوانهم من الخوارج ، حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم ، وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح والاستغفار ، والحسنات الماحية ، والمصائب المكفرة ، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم ، وبالامتحان في البرزخ ، وفي موقف القيامة ، وبشفاعة من يأذن اللّه له في الشفاعة ، وبصدق التوحيد ، وبرحمة أرحم الراحمين . فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنوب ، فإن عجزت هذه الأسباب عنها ، فلا بد من دخول النار ، ثم يخرجون منها . فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم الذي يحتمل أن يكونوا قصدوا به طاعة اللّه ، فاجتهدوا ، فأداهم اجتهادهم إلى ذلك ، فحصلوا فيه على الأجر المنفرد ، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم ، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا ، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب ، فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص ، وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها ، فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان ، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم ، وتقديم الرأي على الشرع ، والهوى على الهدى ، وباللّه التوفيق . المثال الرابع عشر : رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا من وجوب الطمأنينة وتوقف أجزاء الصلاة ، وصحتها عليها ، كقوله : « لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1739 ) في الحج ، باب : الخطبة أيام منى ، ومسلم ( 1679 / 29 ) في القسامة ، باب : تغليط تحريم الدماء والأعراض والأموال .